مجتمع

يا ليت هناك موسما تتساقط فيه أقنعة بعض البشر !

كلنا شاهدنا فيلم الجوكر الجزء الأول، الفيلم الذي يحمل رسالة قوية، تترك انطباعا مختلفا لكل منا حول المهرج.

··8 دقائق قراءة
المهرج ينزع عنه قناعه
المهرج ينزع عنه قناعه تصوير فيلم الجوكر — جوكر

كل منا يمتهن مهنة يتقاضى عليها أجرا مقابل الوقت الذي خصصه و الجهد الذي بذله. مهن تقاس صعوبتها بالوقت و الجهد المبذول، بل أيضا بالتنازلات و التضحيات التي تستدعيها، و التي نادرا ما نشكر عليها. كما تقاس بمدى استنزافها لطاقتنا و نفسيتنا، و اختبارها لقدرة تحملنا و صبرنا .

هناك مهن قد لا نحتاج فيها إلى ارتداء قناع المهرج، يخفي وجهنا الحقيقي عن الناس, إذ نكون نحن على سجيتنا كالمعتاد, لا نتقمص شخوصا ولا نمثل أو ننافق أحدا, لا ننفصل عن واقعنا نظل نحن كما كنا مع أهلنا، نعيش حياتنا كالمعتاد, إلا أنه هناك أخرى تستدعي منا ذلك، ليس طواعية منا، بل لأننا مجبرون.

عزيزي القارئ، شد حزامك جيدا لأني سأسافر بك إلى عوالم لم تلتفت لها من قبل, ندخل معا إلى داخل حياة المهرج, نسلط الضوء على جوانب من حياته، وندرس جوانب دواخله الدفينة.

هكذا تعودنا على رؤية المهرج, رجل ذو قبعة جميلة، طويلة، أسطوانية الشكل، غالبا ما يستعملها كحقيبة لأغراضه، يضعها فوق رأسه وخصلات شعره المجعد صفراء اللون, تغطي جزءا من وجهه. أنفه مستدير أحمر كحبة طماطم, أحمر شفاه خارج عن إطار شفتيه بشكل متعمد.

تراه جالسا على كرسي أمامه مرآة كبيرة، يمسك في يده فرشاة يقوم بغطسها في محلول أبيض اللون، ثم يقوم بتمريرها على كامل وجهه، حتى تكاد لا ترى ملامحه، قناع يخفي به وجهه. يرتدي ثيابا زاهية مزركشة الألوان، ألوانها متداخلة مع بعضها البعض؛ خليط ألوان بين أحمر و أزرق و حتى أخضر، تجده بسروال فضفاض واسع يتسع لشخصين, غالبا ما تكون داخله أرانب و طيور يستعملها في خدعه السحرية , أما حذاءه فهو أكثر ما يثير الضحك، كبير كقارب، منتفخ كبالونة هواء، مرقط كنمر. حذاؤه لا مثيل له .

الجوكر أو المهرج هو شخص اختار مهنة إسعاد الناس, يفرح الناس بجعلهم يستهزئون من مظهره و أفعاله, يسعدنا ولا نتسبب إلا في حزنه, يهدينا ابتسامة و لا ينال منا إلا وابل الإهانات و المضايقات, يعطينا وردة و نعطيه إلا ألف خيبة و حسرة.

كم هو صعب إسعاد أحدهم, أن تتظاهر بما ليس في داخلك, كأن تتظاهر بالسعادة لإرضاء الناس و أنت بداخلك ألم لا يضاهيه ألم, أو تتظاهر بالقوة و بداخلك تعب أو خوف يكاد يجعل روحك تفر من بين جسدك . صعبة هي تلك الابتسامة الممزوجة بالدموع التي لا تنهمر على الخد بسهولة, بل تلك التي يلمع بريقها في عيني المهرج و هو مبتسم، تلك الدمعة التي تبقى منحصرة و حارقة داخل الجفون.

رغم هذا كله، ستجده متحمسا في أداء مهنته بكل تفان و إتقان, حريصا على إسعاد الزوار الذين يبحثون بلهفة عن ابتسامة، متلهفين لسماع نكتة، شغوفين لحيلة سحرية كحيله السابقة، التي تتركهم ككل مرة مندهشين من خفة يده و براعته في الأداء، ينتظرون الفرصة لمكافأته بتصفيقات حارة. يشكرهم بتحية مبادلا معهم نفس الحب و الامتنان، مفتخرا بإدخال السرور و البهجة إلى قلوب الصغار قبل الكبار, وكيف لا يكون شغوفا بعمله و ضحكة طفل صغير تنسيه كل همومه .

تجده كل صباح يخرج في قمة النشاط متحمسا لإسعاد أحدهم في الطريق, حالما يضع زينته كمهرج ؛يكون قد أزال عنه أي هم سيحول بينه و بين نشر طاقة إيجابية في قلوب الناس, وكأن قناعه لا يخفي به وجهه؛ بل يخفي ملامح صعوبة حياته البئيسة التي لا يتذكرها إلا حينما يصل إلى باب شقته. حينها يتذكر أن صديقته تركته، و أنه في أزمة مالية خانقة،

يتجول داخل شقته البسيطة، وهو يسأل نفسه كيف يمكنه تأمين إيجارها باهظ التكلفة، و راتبه المتواضع لا يكفيه لسداد كل نفقات حياته. يتفحصها بحزن لأنه اعتاد على روتينه داخلها. يسحب الكرسي و يجلس كالمعتاد أمام مرآته يمسح ما تبقى عالقا من قناعه. يستند على الطاولة بيديه واضعا وجهه عليها. ثم ينام على تلك الطاولة من شدة تعبه، ليستيقظ في الصباح على أمل حياة أفضل.

أليست حياته تمثلنا في الحقيقة ؟ ألا يمكننا أن نقول أن كل مهنة نزاولها و كل علاقة نخوض فيها، تستدعي منا بعض التنازلات مقابل راحتنا الشخصية ؟ ألسنا نضع أيضا أقنعة نتخفى وراءها لكي لا نبدي للناس ما لا نريد أن يعرفوه عنا تحت مسمى النفاق الإجتماعي ؟ ألا نكون بذلك نؤذي أنفسنا ولا نخدع شخصا سوانا ؟ ألن يأتي يوم نتحلى بالشجاعة، و نكون قادرين على مواجهة بعضنا البعض دون أقنعة حتى و إن تركنا بمفردنا ؟ ستكون حياتنا حينها أكثر صحية و سعادة،

التعليقات

أكمل القراءة

مجتمع
كيف تختار توجهك الدراسي ولا تندم عليه أبدا؟
25 غشت 2026•5 دق

كيف تختار توجهك الدراسي ولا تندم عليه أبدا؟

في كل مرحلة من حياتنا نكون مجبرين على اتخاذ قرارات حتمية و مصيرية بمفردنا، نتحمل مسؤوليتها. تغير حياتنا للأفضل إن أحسنا الاختيار، أو طريقا نندم عليه حيث لا ينفعنا الندم.

بقلم إيمان صابر
مجتمع
أن نكون بشراً في عصر الروبوتات
10 مارس 2026•7 دق

أن نكون بشراً في عصر الروبوتات

في زمن الآلات الذكية، ونمط الحياة السريع والباهت، بدأت تختفي المشاعر الإنسانية؛ عدنا نخجل من أنفسنا ونستحيي من التعبير عنها بكل صدق. كأن احتكاكنا اليومي بالحياة المعاصرة سلب منا إنسانيتنا، وعدنا نتشبه بالروبوتات ونقلدها

بقلم إيمان صابر

انضم إلى مجتمعنا

بفضل انضمامك تحصل على ميزة تمكنك من الحصول على أحدث المقالات أسبوعيا مباشرة على بريدك.

ألغ اشتراكك بكل سهولة